سيد محمد طنطاوي

174

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الآخرة عقوبة وفي الدنيا انقطاع من قبول رحمته وتوفيقه ، ومن الإنسان دعاء على غيره » « 1 » . والمعنى : أولئك المتصفون بتلك الصفات القبيحة * ( جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّه ) * أي جزاؤهم أن عليهم غضب اللَّه وسخطه بسبب استحبابهم الكفر على الإيمان * ( والْمَلائِكَةِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) * أي وعليهم كذلك سخط الملائكة والناس أجمعين وغضبهم ، ودعاؤهم عليهم باللعنة والطرد من رحمة اللَّه . وقوله * ( أُولئِكَ ) * مبتدأ . وقوله * ( جَزاؤُهُمْ ) * مبتدأ ثان ، وقوله * ( أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّه ) * إلخ . . خبر المبتدأ الثاني ، وهو وخبره خبر المبتدأ الأول . والآية الكريمة قد بينت أن اللعنة على هؤلاء القوم ، صادرة من اللَّه وهي أشد ألوان اللعن ، وصادرة من الملائكة الذين لا يعصون اللَّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، وصادرة من الناس أجمعين ، أي أن الفطر الإنسانية تلعنهم لنبذهم الحق بعد أن عرفوه وشهدوا به ، وقامت بين أيديهم الأدلة على أنه حق . قال الفخر الرازي ما ملخصه : فإن قيل : لم عم جميع الناس مع أن من وافقهم في كفرهم لا يلعنهم ؟ قلنا فيه وجوه : منها أنهم في الآخرة يلعن بعضهم بعضا كما قال - تعالى - كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها . فعلى هذا التقدير يكون اللعن قد حصل للكفار من الكفار . ومنها كأن الناس هم المؤمنون ، والكفار ليسوا من الناس ، ثم لما ذكر لعن الثلاث قال * ( أَجْمَعِينَ ) * . ومنها وهو الأصح عندي : أن جميع الخلق يلعنون المبطل والكافر ، ولكنه يعتقد في نفسه أنه ليس بمبطل ولا كافر ، فإذا لعن الكافر وكان هو في علم اللَّه كافرا فقد لعن نفسه وإن كان لا يعلم ذلك » « 2 » . ثم أكد - سبحانه - تلك العقوبة بعقوبة أخرى لازمة لها ما داموا على تلك الحالة الشنيعة فقال - تعالى - * ( خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ ) * بسبب إصرارهم على الكفر في الدنيا ، وانغماسهم فيما يغضب اللَّه * ( ولا هُمْ يُنْظَرُونَ ) * أي ولا هم يمهلون ولا يؤخر عنهم العذاب بل عذابهم عاجل لا يقبل الإمهال أو التأخير بسبب ما ارتكبوه في الدنيا من شرور وآثام . ولكن القرآن - مع هذا - يفتح باب التوبة لمن أراد أن يتوب ، وينهى الناس عن أن يقنطوا من رحمة اللَّه متى تابوا وأنابوا وأصلحوا فيقول - بعد تلك الحملة المرعبة التي شنها على الكفر والكافرين : - * ( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ ) * .

--> ( 1 ) مفردات القرآن ص 451 للراغب الأصفهاني . ( 2 ) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 137 .